خالدة جرار... يا حرّية

من قلب الزنزانة، حيث لا أفق سوى جدران صماء تغلق على الأنفاس، ومع كل لحظة تمرّ، يصبح الوجود أكثر صمتاً، كانت خالدة جرار تخاطب نفسها وتخاطب الحرّية: «يا حرّية، متى تعودين؟»، تلك الحرّية التي قال فيها غسان كنفاني: «أنا أحكي عن الحرّية التي لا مقابل لها، الحرّية التي هي نفسها المقابل».
هذه الكلمات التي انبعثت من أعماق الأسيرة خالدة في زنزانتها الانفرادية، كانت بمنزلة صرخة في وجه الجدران، في وجه الواقع الذي أراد أن يقتل فيها كل أمل. الزنزانة الانفرادية، ذلك المكان الذي لا يشبه مكاناً آخر في سجون الاحتلال، حيث العزلة هي السيدة الوحيدة التي تحكم الفضاء الضيق. لكن هذه العزلة، التي كانت تهدف إلى كسر روحها، كانت تحوّل في واقع الأمر إلى لحظة يقظة فكرية وفلسفية.
في ذلك المكان المظلم، كانت خالدة تدرك أكثر من أي وقت مضى أنّ العزلة ليست مجرّد فصل جسدي عن العالم، بل هي عزل روحاني وفكري. كان السجن، كما وصفه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة»، أداةً للهيمنة على الذات، وليس فقط على الجسد. كانت الجدران في نظر خالدة أكثر من مجرّد حدود مكانية؛ كانت حدوداً للعقل، وكان الاحتلال يظنّ أنّ بحجزها في هذا المكان البعيد عن الحياة، سيكسر إرادتها ويقضي على فكرة المقاومة. لكن ما لم يدركه السجّان، أنّ العزلة كانت بالنسبة إليها محرّكاً نحو التأمّل، والبحث في أعمق دواخل الذات عن معنى وجودها.
يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: «العزلة ليست غياباً عن العالم، بل هي حضور آخر للوجود». هذا التفسير العميق للعزلة ينطبق تماماً على تجربة خالدة في السجن. ففي داخل الزنزانة، حيث لا رفقاء إلا أفكارك، بدأ العالم يتكشّف لها من جديد. كانت في عزلة جسدية، ولكنها لم تكن في عزلة روحية. العزلة، بحسب هايدغر، يمكن أن تكون فرصة لفهم الذات على نحو أعمق، وقد كانت هذه فرصتها لاستكشاف أفكار جديدة، ومفاهيم عميقة عن الحرّية والمقاومة.
العزلة ليست عقوبة فقط، بل هي أيضاً منبع للتحرّر الفكري والروحي، كما كان يعتقد أنطونيو غرامشي. في «رسائل السجن»، أشار غرامشي إلى أنّ السجن ليس مجرّد مساحة لاحتجاز الجسد، بل هو فرصة لتحرير العقل. خالدة جرار كانت أكثر من مجرّد أسيرة، كانت صاحبة مشروع فكري وروحي في السجن، مشروع لم يتوقّف عن النضج رغم الجدران. العزلة، بالنسبة إليها، كانت بمنزلة ساحة معركة جديدة، معركة ضد محاولة الاحتلال أن يحوّل الفلسطينيين إلى كائنات بلا هوية، بلا حلم، بلا مقاومة. لكنها كانت تعلم أن الفكر لا يمكن سجنه، وأنّ العقل الذي لا يُسجن هو الذي يقود الثورة.
وفي داخل الزنزانة، بدأت خالدة تجد في الوحدة فرصاً للتفكير في مقاومتها، وفي معنى الحرّية، وفي فكرة الشعب الذي لا يمكنه أن يظلّ أسيراً إلى الأبد. كانت تدرك أنّ السجون قد تكون مراكز لتصفية الهوية، لكنها لا تملك القدرة على قتل الأمل أو تدمير الرغبة في الحرّية. كانت هي نفسها أداة للمقاومة، عقلها وروحها كانا يمتلكان القوّة لتحدّي الاحتلال حتى وإن كانت الجدران تحيط بها.
وفي كتابه «المراقبة والمعاقبة»، تحدّث ميشيل فوكو عن كيف أن السجون ليست مجرّد مكان لعزل الأفراد، بل هي أدوات لفرض النظام الاجتماعي والسياسي عبر «الرقابة». فالسجّان لا يكتفي بحبس الأسير، بل يفرض عليه أيضاً رقابة مستمرّة على الذات، حتى يجعل السجين جزءاً من النظام القمعي. كان هذا هو هدف الاحتلال في جعل الزنزانة مكاناً لصهر الروح الفلسطينية وتشكيلها وفقاً لرؤية الاحتلال. لكن خالدة لم تكن مجرّد سجين، بل كانت تعرف أنّ الاعتقال قد يجعل الجسد رهناً لأوامر السجّان، لكن العقل يبقى خارج أسوار السجن، في فضاء مفتوح لا يمكن ضبطه.
وكما قال الشهيد وليد دقة عن تجربته في السجون: «السجن لا يقتل الروح، بل يفتح أمامك طرقاً جديدة لمقاومة الاحتلال من داخل الزنزانة». كان دقة يشير إلى أنّ السجن لا يقهر الإرادة الفلسطينية، بل يعيد تشكيلها. خالدة كانت تمثّل هذا الفكر، فهي التي حملت شعلة الوعي والتمرّد داخل السجن، بل كانت تجد في السجن بيئة خصبة لإعادة التفكير في أساليب المقاومة، وفي كيفية إشعال نار الثورة من بين الجدران.
إنّ معاناة خالدة جرار في الزنزانة الانفرادية لم تكن مجرّد عذاب، بل كانت تجربة غنيّة بالوعي والقدرة على التحمّل. كانت تلك العزلة في نظرها مرحلة من مراحل التحرّر، مرحلة تقترب فيها الذات من فكرتها الأكثر أصالة، وأكثر استعداداً للمضي قدماً نحو هدفها. ما كان يراه الاحتلال سجناً، كانت خالدة تراه محطّة من محطات الفهم العميق للحرّية.
أخيراً وليس آخراً، كما تعلّمت خالدة من تجربتها داخل الزنزانة، أنّ السجون ليست سوى أدوات للهيمنة، لكن الأمل لا يموت. هي التي صنعت من العزلة قوّة، وبدّدت الجدران بنور الفكر، وعرفت أنّ السجن قد يكون مكاناً للزمن، لكنه ليس أبداً مكاناً للموت. الحرّية بالنسبة إليها كانت فكرة أبدية، لا تفقد بريقها أبداََ.
من داخل الزنزانة، التي أمل الاحتلال أن تكسر روحها، انبعثت خالدة أكثر قوّة، وأكثر إيماناً بالحرّية. فكّرت في فلسطين، في شعبها، في حلمها الذي لن يموت أبداً.
* كاتب فلسطيني
